02 قصة موسى ﷺ| القاء سيدنا موسى في اليم ووصوله إلى قصر فرعون... ثم عودته إلى أمه بمعجزة!
تُعد قصة سيدنا موسى عليه السلام من أعظم القصص التي وردت في القرآن الكريم، فهي مليئة بالعبر والإيمان والثقة بالله عز وجل. وفي الحلقة الثانية من هذه السلسلة، نعيش واحدة من أكثر الأحداث إثارة وتأثيرًا، وهي إلقاء سيدنا موسى في اليم، ووصوله إلى قصر فرعون، ثم عودته إلى أمه في معجزة ربانية عظيمة.
لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ نبيه موسى بطريقة لم يتخيلها أحد، ليكون ذلك دليلًا خالدًا على أن تدبير الله فوق كل تدبير، وأن وعده حق لا يتخلف أبدًا.
ظلم فرعون لبني إسرائيل
كان فرعون حاكمًا متجبرًا يظن أنه الإله الأعلى، وقد استعبد بني إسرائيل وعذبهم أشد العذاب.
وكان قد سمع من الكهنة أن غلامًا من بني إسرائيل سيكون سببًا في زوال ملكه، فأصدر أمرًا بقتل كل مولود ذكر يولد لهم، بينما تُترك الإناث أحياء.
وهكذا عاش الناس في خوف شديد، وكانت الأمهات يخفين أبناءهن خشية بطش جنود فرعون.
ولادة موسى عليه السلام
وسط هذا الرعب، ولد موسى عليه السلام.
وكانت أمه تعلم أن جنود فرعون يبحثون عن كل طفل ذكر، فأصبحت في خوف شديد على رضيعها.
لكن الله سبحانه وتعالى لم يتركها وحدها، بل أوحى إليها وطمأن قلبها.
قال تعالى:
﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾
(القصص: 7)
يا له من أمر عجيب!
كيف يمكن لأم أن تضع طفلها في صندوق ثم تلقيه في النهر؟
لكن عندما يكون الأمر من الله، فإن المؤمن يوقن أن الخير فيما أمر الله به.
إلقاء موسى في اليم
أعدت أم موسى صندوقًا محكمًا، ووضعت فيه رضيعها الصغير.
ثم حملته إلى نهر النيل، وقلبها يكاد ينفطر من شدة الحزن، لكنها كانت مؤمنة بوعد الله.
ألقت الصندوق في الماء، وبدأت الأمواج تحمله برفق، بينما كانت قدرة الله ترعاه وتحفظه.
لم يكن الصندوق يسير بعشوائية، بل كان يتحرك وفق تدبير إلهي دقيق حتى وصل إلى المكان الذي أراده الله.
وصول الصندوق إلى قصر فرعون
وصل الصندوق إلى قصر فرعون، حيث كانت الجواري يلتقطن ما يأتي به النهر.
فتحوا الصندوق، فإذا بطفل جميل يملأ المكان نورًا وبراءة.
وهنا ألقى الله محبة موسى في قلوب من حوله.
قال تعالى:
﴿وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني﴾
(طه: 39)
وكانت زوجة فرعون، آسيا بنت مزاحم، من أشد الناس تأثرًا بهذا الطفل.
آسيا زوجة فرعون تطلب الاحتفاظ بموسى
رأت آسيا في الطفل براءة لم ترها من قبل.
فقالت لفرعون:
﴿وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا وهم لا يشعرون﴾
(القصص: 9)
أراد الله أن ينشأ موسى داخل بيت عدوه، ليكون ذلك من أعظم مظاهر القدرة الإلهية.
فالطفل الذي سيهدم عرش فرعون، تربى في قصره وعلى نفقته.
أم موسى يملؤها الحزن
بعد أن ألقت ولدها في اليم، أصبح قلب أم موسى فارغًا من شدة الحزن.
قال تعالى:
﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾
(القصص: 10)
لكن الله ثبت قلبها حتى لا تكشف أمر ابنها.
أخت موسى تراقب الصندوق
طلبت أم موسى من أخته أن تتبع الصندوق من بعيد.
فكانت تسير بحذر، تراقب ما يحدث دون أن يشعر بها أحد.
حتى رأت أن الطفل دخل قصر فرعون.
موسى يرفض جميع المرضعات
عندما حاولوا إرضاع موسى من النساء الموجودات في القصر، رفض جميع المرضعات.
قال تعالى:
﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾
(القصص: 12)
وكان ذلك بتقدير من الله حتى يعود إلى أمه.
عودة موسى إلى أمه بمعجزة
هنا تقدمت أخت موسى وقالت بكل ذكاء:
هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟
فوافقوا.
فجاءت أم موسى، وما إن حملت طفلها وأرضعته حتى قبل الرضاعة فورًا.
ففرح أهل القصر، وطلبوا منها أن تكون مرضعته.
وهكذا عاد موسى إلى أمه، ولكن هذه المرة بأمر من فرعون نفسه، مع حصولها على الأجر مقابل إرضاع ابنها.
إنها معجزة ربانية عظيمة.
قال تعالى:
﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾
(القصص: 13)
الدروس المستفادة من القصة
من أهم الدروس التي نتعلمها من هذه القصة:
- الثقة المطلقة بالله مهما اشتدت الظروف.
- وعد الله لا يتخلف أبدًا.
- قد يجعل الله النجاة تأتي من المكان الذي نظنه مصدر الخطر.
- الصبر مفتاح الفرج.
- تدبير الله أعظم من تدبير البشر.
- المؤمن يطمئن إذا تعلق قلبه بالله.
ماذا نتعلم من قصة إلقاء موسى في اليم؟
قد تبدو بعض أوامر الله أو أقداره صعبة على النفس في البداية، لكن النهاية دائمًا تحمل الخير للمؤمن. لقد ألقت أم موسى ولدها في النهر خوفًا عليه، فعاد إليها أكثر أمنًا، وأصبح يعيش في حماية قصر فرعون نفسه حتى يشاء الله أن يبدأ رسالته.
إنها رسالة لكل مؤمن أن يثق بربه، وأن يعلم أن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب.
خاتمة
كانت رحلة إلقاء سيدنا موسى عليه السلام في اليم بدايةً لسلسلة من المعجزات العظيمة التي أظهر الله بها قدرته، فقد حفظ نبيه وهو رضيع، وألقى محبته في قلوب الناس، ثم أعاده إلى أمه تحقيقًا لوعده الصادق. وفي الحلقة القادمة سنتعرف على نشأة موسى عليه السلام في قصر فرعون، وكيف انتهت حياته في مصر بخروجه إلى مدين بعد حادثة قتل القبطي.
